الشيخ محمد رشيد رضا

60

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فمعروف وشواهده كثيرة ، وعلته أن شارب الخمر يسكر فيفقد العقل الذي يعقل الانسان - أي يمنعه من الأقوال والاعمال القبيحة التي تسوء الناس - ويستولي عليه حب الفخر الكاذب ، ويسرع اليه الغضب بالباطل ، وقد جرت عادة محبي الخمر على الاجتماع للشرب ، فقلما تكون رذائلهم قاصرة عليهم ، غير متعدية إلى غيرهم ، وكثيرا ما تتعدّى إلى غير من يشرب معهم ، كالأهل والجيران ، والخلطاء والعشراء . وقد تقدم في أسباب نزول الآيات بعض الشواهد على ذلك . ومن أغرب أخبار شذوذ السكر الذي يفضي مثله عادة إلى العداوة والبغضاء والهرج والقتال ، حديث علي كرم اللّه وجهه مع عمه حمزة ( رض ) وملخصه انه كان له شارفان ( ناقتان مسنتان ) أراد أن يجمع عليهما الإذخر ( نبات طيب الرائحة ) مع صائغ يهودي ويبيعه للصواغين ليستعين بثمنه على وليمة فاطمة عليها السّلام عند إرادة البناء بها ، وكان عمه حمزة يشرب الخمر مع بعض الأنصار ومعه قينة تغنيه - فأنشدت شعرا حثته به على نحر الناقتين وأخذ أطايبهما ليأكل منها الشّرب ، فثار حمزة وجبّ اسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما . فلما رأى علي ذلك تألم ولم يملك عينيه ، وشكا حمزة إلى النبي ( ص ) فدخل النبي على حمزة - ومعه علي وزيد بن حارثة - فتغيظ عليه وطفق يلومه ، وكان حمزة ثملا قد احمرت عيناه ، فنظر إلى رسول اللّه ( ص ) وقال له ولمن معه : وهل أنتم الا عبيد لأبي ؟ فلما علم النبي ( ص ) انه ثمل نكص على عقبيه القهقرى وخرج هو ومن معه . والحديث في الصحيحين . ولولا حلم الرسول وعصمته وعقله ، وأدب علي . وفضله ، وبلاء حمزة في إقامة الاسلام وقربه ، لما وقفت هذه الحادثة عند الحد الذي وقفت عنده . وان حوادث العداوة والبغضاء التي يثيرها السكر ، وما ينشأ عنها من القتل والضرب ، والعدوان والسلب ، والفسق والفحش ، ومن افشاء الاسرار ، وهتك الاستار ، وخيانة الحكومات والأوطان ، قد سارت بأخبارها الركبان ، وما زالت حديث الناس في كل زمان ومكان . وأما الميسر فهو مثار للعداوة والبغضاء أيضا ولكن بين المتقامرين ، فان تعداهم فإلى الشامتين والعائبين ، ومن تضيع عليهم حقوقهم من الدائنين وغير الدائنين ، وان